عباس باني واستعادة الأثر في رحلة أزمنة فقده

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
26/07/2009 06:00 AM
GMT



 فنان متوحد. متوحد بهواجسه، بحلمه بتواريخه القصية، بعشقه للمرأة (الأم) الأولى وحتى الأخيرة أو الراهنة. وما معارفه أو حتى مهاراته إلا أداة انقياد أو انصياع لكل ذلك. أعماله سواء كانت نحتا أو خزفا أو كرافيك أو رسما استمدت بساطة معالجاتها من انصهار كل مناطق تقنيات هذه الأشتغالات الفنية وللحد الذي افقدها حدود مناوراتها الأدائية لصالح وحدة تصورية اقتنائية حددت معالمها بالقليل من المفردات صهرا لفعل حراك الجوهر الإنساني المؤنسن بأساطير هي بقدر ما تضمر جزءا من أرق ما في تواريخنا هي أيضا لا تغفل انتمائها للزمن الراهن وبحدود ما تثيره كشوفات عشقه لملامح أنسيه هي جزء من زاد رحلته عبر زمن عراقي بات غنيا عن التعريف. 
   هل اكتشف التشكيلي عباس باني (*) خطوط ملامح أعماله متأخرا أم أنها رافقته منذ نعومة اضفاره. اعتقد أن هذه الملامح ربما هي كامنة في ذهنه المستفز حلما جماليا تشكل كجزء من مكونات ذاته الرهيفة، أو ميتافيزيقا في محاولات اسبق. ما يدلني على ذلك هو مديات انصياعه ومنذ إنضاج تجربته لهذه الأحلام، مكررا ملامح وهيئات وألوانا واستشعارات ميثولوجيا لا تتعدى محيط بيئة مسترجعة بشروط ذهنية، إقامة يتصالح فيها ولوعات باتت جزءا من تاريخ مستعاد إلى ما ندريه من أيامنا القادمة. أحلاما وردية تتسم بلطائف تعويضا عن غبرة لا تزال أثارها تلطخ أذياله. 
  رسوم باني الزيتية المتأخرة، التي تقتصر معاينتي هنا عليها، لا تغادر منطقة التوريق الأثري، ليس استنساخا للرسم الأثري بعصره الوسيط بل تضمينا لما يحمله الأثر من نستولوجيا بيئته التي تماهت وأساطير الترف والقدم الميثولوجي والولع اللوني الوجداني الناصع بموشور اضاءاته. فالضوء لونا لم يغادر منطقة رسومه وهو وكما يبدو متمتعا ببركاته البيئية المتوسطية مثلما هو في الأثر التوريقي. ومثلما اعتمدت الرسوم التوريقية لعصر اثري بعينه على الجسد معبرا للقصص والحوادث والتشريح الطبي والجغرافيا وللتصوف، ضمن كمائن مخبوءاته، وحتى تكريسا للشخصيات التي تعوم في فضاءات هي الأخرى مضيئة أو مغمورة باللون الفيزياوي السيكولوجي أو والانثروبولوجي، كذلك هي رسومه. مع اختلاف الولع الزمني بمناطقه التعبيرية المتداخلة والمختلفة والمنفصلة. واختلاف تكريس الجسد معنى أو مغزى. ومثلما تحكمت في الرسوم التوريقية قوانينها التي كرست السطح لا العمق وابعاده، كذلك هذه الرسوم. رغم اختلاف المادة الصباغية إلا أنها لا تني تحيلنا إليها بشكل أو إيحاء ما. 

   ليس اعتباطا أن تحمل هذه الرسوم صيغتها التوريقية أو مقارباتها إذا ما علمنا بان الفنان تخصص في النحت في دراسته الأكاديمية ثم الخزف وتقنياته. والنحت في معظمه أجسادا مفرغة أو مبنية وفق أسس قوالب صنعتها. وان مارس النحاتون الرسم فقد انصب اهتمامهم على استنطاق الجسد بما يستطيعه النحت أو لا يستطيعه. وان برع النحاتون في استحضار الجسد بكامل إبعاده أو بما يشير إلى ذلك فان رسومهم اختصرت الجسد غالبا خطوطا عانية تفصح عن أهم نقاط استحضار هيئته وبسمة تسطيحية مشتركة فيما بينهم. لكن القليل من النحاتين العراقيين من حاور منطقة الرسم بكامل أدواتها، وعلى قلتهم فان نتاجهم هذا قارب خيرة خبرة رسامينا إن لم يبز بعضهم أحيانا. الفنان باني لم يسعى للمنافسة بقدر التطامن وهواجسه التعبيرية وبملكة هي خليط من كل تقنيات مناطق اشتغالاته. ورسومه بكفاية بعدها الواحد وبالرغم من نأيها عن التجسيم الذي هو سمة النحت إلا إنها حافظت على قرابتها أو صلتها بمنطقة منتجه الخزفي الذي يحيلنا هو الآخر إلى مسطحات القاشاني الإسلامي التوريقي رغم اختزاليته اللونية. 
 
  محاولاته النصبية في ما اقترحه من مسلات تحمل رسوما هي أيضا بعض من ولعه التوريقي. لكنها تحمل أو يحملها مضامين، بما أن رسومها وهي تحتل السطح منها أجسادا نسائية يافعة تتدثر بزخارفها أو تحيط بها أجواء تمت إلى سعادات متخيلة هي نبض يحاول أن يستمد يفاعته من إيمانه بغلبة عناصر السعادة على الموت. وان كانت هذه المسلات بهيئتها السومرية وكما يقترح الفنان في بعض من إحالتها إلى المقابر العراقية الجماعية(*)، بضمن ما تشكله هيئتها شكل القبر أو شاهدته في قبورنا العراقية كما اعتقد،. فان هيئتها لا تبتعد عن هيئة المرأة المتدثرة بعباءتها العراقية. وان كانت العباءة سوداء موحشة أو قبرا متنقلا. فان مسلاته محملة بثمار الحياة الطرية أجسادا حبلى بكائناتها الإنسانية أو بعواطفها الجياشة نبعا حياتيا طريا. فهل يعلن باني وبكل هذه الأبهة العذبة موت مصير كائناته المأساوي ورموزها الكاليغرافية في مسعى لاستعادة أزمنتها المأساوية في أوج تناقضاتها. وان كان كذلك فقد نجح مسعاه في استنطاق مخبوء القبر جمال النفس والجسد المغدور في زمن الطغاة. لكن، ربما هي توابيت موميائات استحدثتها تواريخنا الجديدة ليست لملوك أو أمراء أو كهنة، بل لمن غدرته السياسات المحلية والدولية المعاصرة. وعلى الفنان كشف مستورها مواجهة أمام أعيننا نبض حياة لا تزال تسكننا رغم فقدها. وبعيدا عن كل ذلك تبقى هذه الأعمال أنصابا أثرية لا تبتعد في خطوطها العامة عن هيئات معمارية بيئية استلهمت خصوصيتها من منحنيات الذهنية الصوفية لا صلابة استقامة الواقع أو وهم استقامة وقائعه.
    يبقى السؤال عالقا؟ ما هو دور اغترابات الفنان عن بلده وبشكل خاص إن كان قسرا؟ وهل لكل جغرافياه المتعددة اللاحقة من دور ما في تشكل نتاجه كما هو؟ أم لغلبة النستولوجيا إن كانت متمكنة منه أمر آخر؟


  اعتقد انه لا يمكننا أن نضع كل هذه العوامل في ميزان ونزنها بشكل دقيق. لكن بالتأكيد غلبة احدها أو بعضها عند بعضم هو ليس كما عند الآخر إذ تلعب عوامل أخرى مثل الحاضن العائلي أو الاجتماعي أو البيئي أو الثقافي لزمن ما قبل هجراتهم أو اغتراباتهم وبنسب معينة في تشكل الذاكرة الرجعية ونستولوجياها بنسب معينة. لكن ومن خلال ملاحظتي للعديد من تجارب التشكيليين العراقيين المهاجرين فان ذواتهم وبشكل عام لم تفتقد بعض من محركات الأثر النستولوجي لأزمنة فقدوها وفقدتهم وأيضا بنسب معينة وتم استحضارها لا حقا اجتهادات عديدة في طوايا أعمالهم. مثلما هي في أعمال عباس باني. وهو إذ يحاول استنطاق الأثر الثقافي والتشكيلي الرافديني منه ويتماها وصوره ومعانيها وتكريسها مرجعية ما لعمله، فان الأمر لم يتأتى من فراغ بل هو في انجاز تم في الصلب من حراك هذه النستولوجيا العراقية المغتربة السرية وبالذات في محاولاتها مد أو ربط حبالها السرية وسط متاهات العالم المعاصرة وإرباكات معظم مناطقها البيئية المعلبة.

 (*).. تشكيلي عراقي من جيل السبعينات، يعمل ويعيش منذ في مدينة: سان جيل كروا دي في. الفرنسية الساحلية الغربية   (Saint Gilles Croix de Vie)
(**).. من حوار له مع كريم النجار في موقع أدب فن
http://www.iraker.dk/maqalat24/bane.files/1.htm